وهبة الزحيلي

207

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

ومجرّات ، وبحار وجبال وأنهار ، وزروع ونبات وأشجار مثمرة وغير مثمرة ، ومعادن وثروات ، وتعاقب الليل والنهار مع الطول والقصر والاعتدال على مدار العام وبحسب الفصول والموقع ، لأدلة دالة على وجود اللّه وكمال قدرته وعظمته ووحدانيته ، بشرط أن يكون من ذوي العقول التامة الناضجة التي تدرك الأشياء بحقائقها ، وليسوا كالصم البكم الذين لا يعقلون ، الذين قال اللّه فيهم : وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها ، وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ ، وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [ يوسف 12 / 105 - 106 ] . ثم وصف اللّه تعالى أولي الألباب بأنهم يجمعون بين التذكر والتفكير ، يذكرون اللّه في مختلف أحوالهم من قيام وقعود واضطجاع ، لا يقطعون ذكره في جميع أحوالهم بسرائرهم وضمائرهم وألسنتهم . ويتفكرون ويفهمون ما في السماوات والأرض من أسرار ومنافع وحكم دالة على عظمة الخالق وقدرته وعلمه ورحمته . والتفكر يكون في مصنوعات الخالق لا في الخالق ، لاستحالة الوصول إلى حقيقة ذاته وصفاته ، أخرج الأصبهاني عن عبد اللّه بن سلام قال : « خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على أصحابه ، وهم يتفكرون ، فقال : تفكروا في الخلق ، ولا تفكروا في الخالق ، فإنكم لا تقدرون اللّه قدره » . وقال الحسن البصري : تفكر ساعة خير من قيام ليلة . ويقول المتفكرون الذاكرون : ربنا ما خلقت هذا الخلق عبثا ولا أوجدته باطلا زائلا ، فأنت منزه عن الباطل والعبث ، وكل خلقك حق مشتمل على فائدة وحكمة وقدرة ، أي أن المؤمن المتفكر بعد أن تدبر ونظر ودقق وتفكر يتوجه إلى اللّه تعالى متضرعا معلنا قناعته بحكمة اللّه العليا في خلق المخلوقات ، فاجعل لنا وقاية وحاجزا من عذاب النار ، وأجرنا من عذابها ، ووفقنا للعمل الصالح